‏إظهار الرسائل ذات التسميات شتاء في ربيع العمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شتاء في ربيع العمر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 29 أبريل 2019

خاطرة :مولد صغيري محمد




ما شاء الله تبارك الله أتم صغيري محمد عامه الثالث الشهر الماضي، في كل عام يكبر فيه صغيري، أحمد الله على نعمته وفضله وكرمه، وأستشعر أن الله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأعود بذاكرتي ١٤عاماً إلى الوراء، فأتذكر ذلك اليوم وكأنه بالأمس، عندما قال لي طبيب الأورام أنني قد أفقد قدرتي على الإنجاب بعد العلاج الكيماوي (التفاصيل في الحلقة السادسة).

حزنت وبكيت كثيراً، فقد كنت في مقتبل العمر أبلغ من العمر٢٤عاماً، منذ ذلك اليوم ولساني لم يفارق دعاء "رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين" في قيامي وقعودي وصلاتي وسجودي.كنت أطلق دعواتي وأمنياتي في أوقات الإجابة وفي شهر رمضان المبارك موقنة أن الله تعالى لن يخيب ظني فيه. 

تذكرت أيضاً تلك الطبيبة التي قالت لي من الأفضل لك أن لا تحاولي الإنجاب فما يدريك قد ترزقين بطفل غير سليم(رغم انه لا علاقة لذلك بما تلقيته من علاج، فقد مضى أكثر من عشر سنوات عليه).

تذكرت أيضاً تلك الطبيبة التي قامت بعمل السونارأول مرة بعد حملي في محمد، وعند ما لم تسمع نبض الجنين قالت لي ربما ستفقدين الجنين هل تظنين أن واحدة مثلك سترزق بأطفال بسهولة؟  قلت في نفسي نعم فالله قادرولست أنت من تملكين خزائن رحمة الله ورزقه. قالت لي ذلك وأنا في الأسابيع الأولى من الحمل ومن الطبيعي بعض الأحيان أن يتأخر ظهورنبض الجنين، لكن هذه الطبيبة مع الأسف كان من الأفضل لها أن تقل خيراً أو تصمت. اعتصمت بالله والتزمت الدعاء والقرآن ومراجعته طوال فترة حملي موقنة أن لله معجزات وقدرته أقوى من كل ما يقوله الأطباء، وليس كل شيء يقاس بالأمور المادية ونظرتنا القاصرة كبشر.

تشاءمت الطبيبة وتفاءلت أنا ووثقت بالله، ولَم أعد لها مرة أخرى فلقد عوضني الله بطبيب من خيرة الأطباء متخصص في متابعة حالات الحمل الحرجة، إنه الدكتور الفاضل د.عدنان عاشور, رحمه الله واسكنه فسيح جناته، كان شعلة أمل بالنسبة لي من بداية استشارتي له في موضوع الحمل من حيث المبدأ وحتى متابعتي لحملي معه خطوة خطوة إلى أن رزقت بمحمد بالصحة والسلامة والعافية ما شاء الله  وجاء ذلك اليوم الذي سمعت فيه صرخاته الأولى مع ارتفاع صوت الحق صوت آذان المغرب في ١٠/جمادي الثاني الموافق ١٩ /مارس فالحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه  وعظيم سلطانه 
ولدمحمد وحل ربيعي وفِي اليوم التالي حل فصل الربيع. 
إلى كل مكسور القلب وإلى كل محروم لا تيأس من كرم الله تعالى ورحمته التي وسعت كل شيء،  ثق في الله وسيأتي الفرج في هذه الدنيا وإن لم يكن ففي الآخرة وعلى قدر الحرمان والألم يكون عوض الله أكبر.

الصورة: في يوم ميلاد محمد كنت طوال اليوم بالمستشفى وأصابتني يومها الكثير من الإحباطات، كان محمد مريض وحزين لأنه افتقد وجودي لكن الله أرسل لنا شيئاً جميلاً أسعدني وأسعد صغيري محمد، إنه مقطع تهنئة من صديقنا غرغور من افتح يا سمسم .


شكراً غرغور و عمو عمار الصبان، فاللفتات البسيطة تصنع فرقاً وأسعدك الله و أسرتك الكريمة كما أسعدت صغيري.


الجمعة، 1 مارس 2019

الحلقة الخامسة:سلك معدني يسافر في جسدي



الحلقة الخامسة:سلك معدني يسافر في جسدي
فبراير-مارس/2005
الصورة من تصوير الصديقة د.لورا مورلوك Photo by My Friend: Dr.Laura Morlok


التقرير والحقيقة  
تراكمت تقاريري الطبية ولَم أستطع مراجعتها والاطلاع عليها مع شدة الألم والانشغال بجلسات العلاج ورعاية صغاري وعدم الاستقرار حيث كنت أتنقل بين منزل والدي وشقة أهل زوجي في جدة(فهم يسكنون في ينبع الصناعية).
مع شدة الألم والمعاناة قررت الاطلاع على التقارير علني أَجِد إجابة أو تفسيراً لما حدث في التصوير بالرنين المغناطيسي من آلام مبرحة وظهورٍ لكتلةٍ غريبة قرب كتفي( التفاصيل في الحلقة الرابعة).
بدأت مراجعة التقارير وفجأة وجدت تقريراً من قسم الأشعة، صَدَرَ يوم إجراء عملية استئصال الورم، ولا أتذكر أنني قرأته من قبل.
التقرير فيه تفاصيل ما حدث أثناء عملية تحديد الورم بالسلك المعدني وذُكر فيه أن هناك سلكاً دخل خطأً إلى داخل عضلات القفص الصدري وعلق الخطاف هناك وتم تصويره بأشعة الماموجرام ليتم تتبعه وإزالته في العملية. التقرير والتصوير كان موجهاً للطبيب الجراح لكي يقوم بإزالة هذا السلك والسلك الذي تم تحديد الورم به تحديداً صحيحاً ومعه الورم طبعاً. وقتها تذكرت ارتباك طبيبة الأشعة وعرفت سبب وجود سلكين بدلاً من سلك تحديد واحد وأيضاً عرفت سبب عمل الماموجرام في ذلك اليوم (التفاصيل في الحلقة الثانية).
وهنا خطر على بالي سؤال هل أزال الطبيب الجراح ذلك السلك الذي تم إدخاله بالخطأ؟
ذهبت لطبيبة الأشعة لأستفسر عما حدث فشرحت لي التفاصيل وأخبرتني أنها بالإضافة إلى التقرير تحدثت هاتفياً مع الجراح بخصوص موضوع السلك. لقد أرضت ضميرها وأخلت مسؤوليتها.
حينها أحسست أن رأسي يدور، تذكرت زيارتي للطبيب الجراح وكيف أنه لَم يتحدث عن هذا الموضوع ورماني بالهلوسة والجنون، إنه ينكر خطأً طبياً فادحاً وكبريائه كان مقدماً على مصلحتي كمريضة.
ذهبت إلى طبيب العلاج بالأشعة وأخبرته بما حدث، طلبت منه أن يساعدني في التواصل مع الجراح لأنه أنكر ما حدث أمامي. اعتذر الطبيب أنه من الصعب عليه مواجهة الجراح.
ذهبت إلى قسم ال MRI، ما يهمني الآن أن أَجِد من يدعمني للتواصل مع الجراح لفهم قصة السلك، أتراه قد تركه مكانه أثناء عملية إزالة الورم فتحرك من ثديي الأيمن إلى كتفي الأيسر مروراً بثديي الأيسر؟
قابلت المشرف على وحدة الرنين المغناطيسي فأخذني إلى رئيس القسم، إنني أعرف هذا الطبيب فهناك رحم بيننا حسب ما سمعت من والدتي رحمها الله اطمأن قلبي أيضاً فطالما سمعت عن مهارته واحترافيته, فهوَّ طبيب أشعة استشاري حاصل على الزمالة من إحدى أعرق المستشفيات الكندية, سمع قصتي، عاين التقرير و ال MRI وصورة ال X-ray، قال سبحان الله قصة غريبة أستطيع أن أجزم وأحلف بالله أن هذا السلك سلك تحديد الأورام وقد تحرك من ثديك الأيمن إلى كتفك الأيسر، نظر إلى صورة الأشعة وأشار للسلك وقال: هذا السلك وفِي نهايته الخطاف،طول السلك حوالي أربعة سنتيمترات. لا يمكن لأي جراح أو طبيب أشعة أن يخطئه أولا يعرفه, ووقف مذهولاً هوَّ والأطباء المتدربين معه. استفسر عن صحتي وحزن عندما علم بتشخيصي بسرطان الثدي في عمرً صغير وقال: يؤسفني أنك تمرين بمعاناةٍ أخرى إلى جانب معاناتك مع السرطان، هذا السلك يجب أن تتم إزالته، لأنك ستحتاجين عمل ال MRI ما بين كل ستة أشهرإلى عام وليس من المعقول أن يبقى هذا السلك ليتحرك كل مرة مقطعاً أنسجة جسدك، احمدي الله تعالى أنه لم يذهب لقلبك أو رئتك محدثاً نزيفاً داخلياً كنّا سنجهل سببه. في تلك اللحظات تخيلت كلام الطبيب ورأيت نفسي أخرج من جهاز MRI ميتة ً بسبب النزيف الداخلي المجهول، بكيت كثيراً وحمدت الله تعالى أنه بلطفه أنقذني من الموت ووجه السلك لكتفي لا لقلبي أو رئتي، مازلت أخشى الموت من السرطان وها أنا ذا كنت سأواجه سبباً آخر قد يؤدي لوفاتي.
لملمت شتات نفسي وطلبت من الطبيب أن يساعدني في التواصل مع الجراح لأبحث معه موضوع إزالة السلك ولفهم القصة، هل هوّ سلك واحد فقط وهل الجزء الذي تركه بنفس طول وحجم السلك الذي رأيناه في صورة الأشعة، وعدني رئيس القسم أنه سيفعل سيتحدث مع الطبيب الجراح، وطلب مني مراجعته. في اليوم التالي جئت مسرعة إلى مكتب رئيس القسم، طرقت الباب، فوجدته واجماً، نظر إلي وقال لقد تحدثت مع الطبيب الجراح وأنا مصدوم من ردة فعله، إنه لا يريد الاعتراف بخطئه وقال لي كلاماً شديداً لا أستطيع أن أقوله لك، حتى وإن كان في مقام أباءنا وأساتذتنا، مع احترامي لمكانته، أمانتي الطبية تحتم عليَّ أن أقول الحق وأؤكد لك أنه ترك السلك في جسدك، من حقك أن تعرفي ذلك حتى وإن أراد الطبيب الجراح الإنكار وإخفاء الموضوع فلن أتعاون معه. شكرت الطبيب وسألته السؤال الأهم هل القطعة التي رأيناها من السلك في الأشعة هيَّ القطعة الوحيدة التي تركها الطبيب الجراح؟ أطرق رأسه حزيناً وقال للأسف لم أستطيع الحصول على هذه المعلومة، لكن لا تقلقي بإذن الله سيكون من السهل إزالة السلك من كتفك بعد أن يتم تحديد موقعه من قسم الأشعة أو باستخدام جهاز الأشعة C-Arm  في غرفة العمليات. 
كانت مشاعري متضاربة بين الحزن والغضب لكنني حمدت الله أن الدنيا مازالت بخير وأن ضمير هذا الطبيب كان حياً رغم الضغوط التي واجهها، لقد أرضى ربه وضميره قبل أن يعرف أن هناك رحماً بيننا, فقد أخبرته بذلك لاحقاً وبالإضافة إلى ذلك فإن والدتي رحمها الله كانت أستاذته (كانت أمي تُدَرِس مادة أمراض القلب والأوعية الدموية لطلبة/طالبات السنة الخامسة والسادسة بكلية الطب بحامعة الملك عبدالعزيز بجدة). لقد انقذتني عناية الله ثم أمانة واحترافية كلٍ من مشرف الوحدة ورئيس قسم ال MRI ولن أنساهما من دعائي ولن أنسى معروفهما وجميلهما ما حييت. 
وبينما أنا أمشي متثاقلة الخطى من حزن قد كبلني وهم قد أثقلني، رأيت خالتي الحبيبة ابنة خال والدتي رحمهما الله التي أحبها كثيراً ومجرد النظر لوجهها يشعرني بالراحة، وكأن الله أرسلها لي في ذلك الوقت العصيب. سلمت عليها وجلسنا في غرفة الانتظار وقصصت لها قصتي كاملة وكانت صدمة بالنسبة لها فهيّ لم تسمع عن مرضي فقد أخفيت الأمر عن تقريباً عن الجميع إلا عائلتي وعائلة زوجي المباشرة. قسمات وجهها المريحة ونبرة صوتها الهادئة خففت عني كثيراً. سبحان الله الذي يرتب الأحداث فيرسل لنا ما يخفف عنا ونحن في قمة الألم.

المواجهة: عندما يكون كبرياء الطبيب مقدمٌ على مصلحة المريض

بعد النقاش مع والدي ووالد زوجي وخالتي قررنا الذهاب لمواجهة الطبيب الجراح، لأنه يحب علينا أن نعرف ما الذي تم تركه تماماً في جسدي، قطعة واحدة من السلك أم أكثر. 
ذهبنا لمقابلته أنا ووالدي وأخي وخالتي وأخبرتهم أنني أريد التحدث معه بنفسي، قالو نسأل الله أن يكون في عوننا لنتمالك غضبنا، دخلنا العيادة وإذا به يقول عندما رآني، هل تريدين مناقشتي في موضوع الإبرة الصينية التي في كتفك؟
ذهلنا من مقولته فهوَّ مازال منكراً لخطئه، فقلت له لا نحن هنا اليوم لمناقشة موضوع سلك تحديد الورم الذي لم تتم إزالته أثناء العملية، نظر إليَّ وقال لي مرة أخرى مسكينة أنت مازلت تهولين الأمور لأنك أصبت بالسرطان في سن صغير، هذا سلك بسيط تعايشي معه طوال عمرك ولن يضرك، أنا لن أقوم بإزالته لك، ستكون عمليه معقدة مجهولة النتائج. صحيح أنه أجرى العملية بإتقان منقطع النظير وساهم في تثقيفي حول مرضي وزودني بمعلومات هامة كنت لن أجدها لدى جراح آخر, لكنني 
تعجبت كثيراً من موقفه وقوله فهوَّ من قال لي أنني سأحتاج عمل تصوير بالرنين المغناطيسي MRI كل ستة أشهر كفحص دوري لسرطان الثدي بسبب تاريخي المرضي والأسري وصغر سني (تحت سن الأربعين)، في حالتي ال MRI وسيلة لا تقل أهمية عن الماموجرام والفحص بالموجات فوق الصوتية، وقد يكون أكثر دقة كذلك. و المصيبة الكبرى أن هوَّ من طلب فحص ال MRI لي وهوَّ من قام معي بتعبئة الاستبيان الذي يتم عمله قبل الفحص لنفي وجود أي معادن في جسدي! 
قلت له يا دكتور احترم أنك كوالدي ولكن الاعتراف بالحق فضيلة ولكل جواد كبوة، لاحظت تغير قسمات وجهه ولاحظت كيف شعر بالضيق من كلماتي، لكنني لم أقل شيئاً خاطئاً. طلبت منه تقريراً مفصلاً بما حدث، لكنه رفض في البداية، وحينها لم يستطيع والدي أن يتمالك نفسه، فالتقرير أبسط حق من حقوقي، قال له سامحك الله لم تراعي أنها كابنتك ولَم تراعي أنني ووالدتها رحمها الله زملاء لك في المهنة وقبل كل هذا لَم تراعي أمانتك أمام الله كطبيب، حسبي الله ونعم الوكيل.
خرجنا من عنده ونحن في ذهول وتوجهنا لمدير المستشفى ولَم يكن متعاوناً أيضاً وقال أنا طبيب ولكنني الآن تاجر وهذه الأمور لا تعنيني كثيراً؟ ماذا تريدون؟ تريدون أن نطلب من طبيب آخر إزالة السلك على حساب المستشفى؟ الطبيب لديه تأمين ضد الأخطاء الطبية ومقاضاته لن تفيدكم شيئاً. فقلنا له أن مطلبنا هوَّ تقرير عما تم تركه في جسدي وأننا فقط نريد إعلامه عن هذا الخطأ لكيلا يتكرر مع أحد غيرنا. نظر إلينا وقال بما معناه " خطأ كهذا لن يهمني فمع هذا الجراح نجني الملايين وهوَّ جراح ماهر. ازددنا ذهولاً من موقفه أيضاً.
كان هذا الموقف شديداً عليَّ كشدة خبر تشخيصي بسرطان الثدي. أصبت بصدمة شديدة عندما رأيت القيم تنهار أمامي وبجانبها تترنح الأمانة وبقربهم يحتضر الضمير. 
كان الموضوع أصعب عليَّ لأن والدي ووالدتي رحمها الله أطباء استشاريين، ومنذ نعومة أظافري وأنا أسمع عن قسم الأطباء، أخلاقيات المهنة وقبل هذا كله مخافة الله ومراقبته في ممارسة المهنة.
أفكار كثيرة تجول في ذهني، شعرت حينها أنني مرضت أكثر. من شدة الضغوط النفسية المتتالية، أصابني الغثيان وغزتني نوبة من متلازمة التقيء الدوري التي أعاني منها، عندما تبدأ النوبة لا تتوقف ويستمر القيء عشرات المرات، تماماً كفرط القيء الذي أصابني في حملي. من شدة القيء أصابني الجفاف واستدعى ذلك تنويمي بالمستشفى لأخذ المحاليل. رغم شدة تعبي وألمي، مازلت لا أستطيع استيعاب الموضوع هل كان كبرياء هذا الطبيب أهم من مصلحتي وحياتي! 
شعرت بالغبن والظلم لكني تذكرت أنه إن نامت عين الظالم فعين الله لا تنام وعند الله تجتمع الخصوم. تذكرت كيف دعوت الله باكية وبحرقة ٍ أن يظهر الحق قبل مواجهة الجراح وأن يربط على قلبي, دعوت بدعاء أنس ابن مالك الذي أهدته لي إحدى قريباتي عندما رأت اشتداد كربي, دعوت به في سجودي في يوم الجمعة وأنا أتحرى ساعة الإجابة ودمعي ينهمر على سجادتي, وكلي ثقة بأن الله لن يضيعني.
 كانت هذه التجربة من أشد التجارب إيلاماً في رحلة مرضي ولا تكاد تقل في وقعها على نفسي من وقع خبرإصابتي بسرطان الثدي.

تعلمت درساً لن أنساه, وهوَّ أنني بعد التوكل على الله عليَّ أن أكون أكثر وعياً بأموري الصحية وأن أقوم بالاطلاع على تقاريري الطبية بدقة ولا يكون اعتمادي اعتماداً كاملاً على الأطباء فهم بشر يصيبون ويخطئون وكأي مهنة من المهن قد نجد في مهنة الطب من لا يراعي أخلاقيات المهنة ومواثيقها للأسف. لم تكن مشكلتي أن الطبيب الجرح قد وقع منه خطأ طبي، مشكلتي كانت في موفقه و إنكاره و تضليله.
بعد خروجي من المستشفى ذهبت لاستلام التقرير الخاص بحالتي بعدما تم طلبه من مدير المستشفى، 
وكانت صدمتي كبيرة عند قراءتي للتقرير، لم يكتب فيه الطبيب الحقيقة للأسف بل ادعى أن السلك قد كُسِرَ خطئاً في قسم الأشعة، ونسي أن لدينا أشعة ماموجرام تنفي كلامه الخاطئ وتوضح أن السلك لم يكن مكسوراً قبل العملية! يا إلهي، لم أتصور أن كبريائه منعه من أن يكون صادقاً في كتابة تقرير طبي! ولم يوضح ما المقدار الذي تم تركه.
توجهت لطبيب جراح آخر، سمعت عنه كل خير، اطمأننت أكثر لأنه والد زميلة من زميلات الدراسة وزميل والديَّ. دخلت عيادته ورحب بي، كان حديثه معي كحديث والد لابنته، ارتحت كثيراً لنبرة صوته الهادئة وطمأنني أن العملية سهلة بإذن الله وليست صعبة ومجهولة النتائج كما قيل لي سابقاً. تحدث الطبيب معي كثيراً وشرح لي بالتفصيل كيف ستكون العملية وأعطاني من وقته الكثير. بعد تحديد موعد العملية، خرجت مسرورة الخاطر مطمئنة القلب وأنا في أشد الإعجاب بأخلاق هذا الطبيب وأسلوبه الراقي في التعامل مع مرضاه. في خضم انشغالي بموضوع السلك وإزالته تذكرت شيئاً مهماً، ألا وهوَّ موعدي عند طبيب الأورام، راجعت أوراقي خشية أن أكون قد نسيته ففي ذلك الزمن لم تكن هناك هواتف ذكية تعيننا في تسجيل المواعيد وتذكيرنا بها. وجدت أن الموعد قبل موعد عملية إزالة السلك. اقترب الموعد وأنا أفكر ماذا عسى هذا الموعد أن يحمل لي معه أرجو ألا تكون هناك مفاجآت أخرى.

 - اعتذر عن ذكر اسم الطبيب والمستشفى و أرجو التفهم وعدم الإحراج، فالهدف التوعية لا التشهير.

ملاحظة:لكتابة تعليق الرجاء الضغط على عنوان المقال بالأعلى أو كلمة تعليقات أسفل المقال ليظهر المكان المخصص للتعليقات.





الاثنين، 18 فبراير 2019

الحلقة الرابعة: مغامراتي مع التصوير بالرنين المغناطيسي MRI



الصورة من تصوير الصديقة د.لورا مورلوك Photo by My Friend: Dr.Laura Morlok

استمرت جلسات العلاج الإشعاعي جلسة تلو الجلسة وخلال الجلسات، جاء موعد التصوير بالرنين المغناطيسي MRI. تذكرت مقالاً في مجلة العربي عن جهاز ال MRI   كنت قد قرأته في المرحلة الابتدائية وكان يتحدث أن هذا الجهاز الجديد يحمل معه أملاً لإنقاذ حياة كثير من الناس لقدرته المختلفة عن الأجهزة الأخرى في اكتشاف الأورام السرطانية. تذكرت الصورة التي في المجلة وشعرت بالقلق أنني سأكون داخل هذا الجهاز الضيق.
 طلبت من أخي الغالي أن يحضر معي إلى غرفة التصوير ليخفف عني بعض القلق من المجهول. وكان عمره آنذاك خمسة عشر عاماً وكان رفيقي في أغلب مواعيدي الطبية. طلبت مني الممرضة تبديل ملابسي والتأكد من نزع أي شيء معدني مثل الساعة، الأقراط ومشبك الشعر، ثم قامت بتهيئتي بوضع إبرة في الوريد ليتم ضخ الصبغة خلالها وأخبرتني أن الفحص سيستغرق حوالي خمساً وأربعين دقيقة وساعدتني أن آخذ الوضعية المطلوبة (أن أكون ممددة على بطني ويتم إدخال الثديين في قالبين لتظهر الأنسجة بوضوح أثناء التصوير)، لم أتخيل كيف سأستطيع البقاء بلا حراك طوال هذه المدة وبهذه الوضعية المزعجة بالذات بسبب ضغط القالبين على قفصي الصدري. أعطتني الممرضة جرساً لأستخدمه إذا احتجت أي مساعدة أثناء الفحص ووضعت الممرضة سماعات أذن يُتلى فيها القرآن الكريم فارتحت كثيراً وشعرت بالسكينة. دخل أخي الغالي وجلس في أحد أركان غرفة التصوير موجهاً وجهه صوب الجدار، فشعرت بأمان أكثر. دفعت الممرضة المنضدة التي أرقد عليها إلى داخل جهاز وكأنه أنبوب ضيق، شعرت بالضيق بسبب ضيق المكان وتذكرت القبر وأنا مغطاة بأغطية بيضاء، بدأ الفحص وعلت أصوات الجهاز، شعرت وقتها أن كل ذرة في جسدي ترتج بسبب علو الصوت، حاولت الاسترخاء وأنا استمع للقرآن. وفجأة شعرت بآلام رهيبة في ثدييّ وقفصي الصدري، حاولت أن أتماسك إلى نهاية الفحص. بعد ذلك جاء وقت ضخ الصبغة من جهاز ضخٍ إلكتروني، ازداد ألمي وشعرت بآلام رهيبة في ذراعي أيضاً. انتهى الفحص وأنا في قمة الألم. وجدت أخي الغالي واضعاً يده على رأسه من شدة الإزعاج الذي تعرض له أثناء التصوير. جاءت الممرضة لتساعدني لأنهض فقد كنت أشعر بدوار شديد بسبب الاستلقاء في تلك الوضعية مع ارتفاع الصوت والألم الشديد. وعند نزع الممرضة لإبرة الوريد لاحظنا أن يدي متورمة تورماً شديداً وكأنها ساق فيل! استغربت الممرضة جداً فأخبرتها أيضاً عن الآلام الشديدة التي شعرت بها، ازداد استغرابها، وقالت هذا ليس طبيعي أبداً وعليك مراجعة الطبيب، فهذا الفحص آمن ولا يسبب آلاماً أو تورماً وماحدث لك شيء غير اعتيادي.
في اليوم التالي راجعت طبيبي واستغرب كثيراً مما حدث وعندما راجع النظام وجد أن هناك خلل في التصوير بسبب عدم دخول الصبغة وقال: يبدو أن الإبرة قد تحركت من الوريد وتم ضخ الصبغة في العضل لا الوريد ولذلك تورمت يدك، وتفسير آخر, ربما لم تتحمل أوردتك قوة الضخ من الجهاز فحدث ما حدث, يجب عليك إعادة الفحص (أوردتي صغيرة جدا ودائماً أعاني لكي تجد الممرضة وريداً مناسباً)،. تضايقت جداً لأن الفحص مزعج وعليّ إعادته، لكن ما باليد حيلة. أخبرت الطبيب عن الآلام المبرحة، فاستغرب وقال نرى نتيجة الفحص الجديد ونبحث في الموضوع.
استمر الألم وازداد قلقي فماذا عساه أن يكون، هل ازداد وزن صغيري فأصبحت عضلاتي تؤلمني عند حمله، هل انتشر الورم ووصل للعظام، فكرت كثيراً وتعبت من التفكير.
استمرت جلسات العلاج الإشعاعي وجاء الموعد الثاني للتصوير بالرنين المغناطيسي، فأي مفاجأة سيحمل لي هذه المرة. 


الموعد الثاني للتصوير بالرنين المغناطيسي 

ذهبت لإجراء التصوير للمرة الثانية كنت قلقة ومتوترة بسبب تجربتي الأولى. في هذه المرة لم تتورم يدي ولكن آلامي ازدادت بطريقة لا تحتمل، احتارت فنيات الأشعة والأطباء في أمري. عدت للمنزل وإذا بي أتفاجأ بكتلة مؤلمة وغريبة فوق ثديي الأيسر وقريبة من الكتف، أصابني الذعر، فماذا عساها أن تكون؟ هل هيّ ورم جديد أم ان الورم قد انتشر من الثدي الأيمن ولَم ينتبه الأطباء لذلك. هرعت إلى والدي الغالي وأنا خائفة مذعورة فأخبرني أن الكتلة ظهرت فجأة بعد ال MRI
ومن المفترض أن الأورام السرطانية لا تنمو بهذه السرعة، لذلك يمكننا مبدئياً الاطمئنان أن الموضوع ليس ورماً سرطانياً جديداً. ذهبت للطبيب في اليوم التالي فأخبرني بنفس كلام والدي وطلب لي MRI جديد للكتف لأن الكتلة فوق الثدي وأقرب للكتف.
ذهبت للموعد المحدد، وطال الفحص كثيراً وازدادت آلام القفص الصدري وامتدت للكتف والذراع، شعرت بالقلق فليس من المتوقع أن يتجاوز الفحص ساعة كاملة. دخلت الفنية وقالت لي: لقد حدث ما يسمى magnetic field distortion  خلل وانحراف في المجال المغناطيسي , وهذا لا يحدث إلا في حال وجود معدن في جسدك، هل قمت بعمل أي عمليات في كتفك وهل تم وضع أي معدن مثل المسامير أوغيرها في هذه المنطقة ؟
فكرت كثيراً وكنت متأكدة من إجابتي فأنا فعلاً لم أجري أي عمليات جراحية في كتفي ولَم يتم وضع معادن في جسدي. أخذتني الفنية إلى الأخصائي المشرف على وحدة الMRI وسألني نفس الأسئلة, ثم طلب مني عمل أشعة سينية للكتف.تعامل مع الموضوع باحترافية منقطعة النظيرماشاء الله ,فهوَّ اخصائي متخصص في مجال الMRI وحاصل على الزمالة من إحدى أعرق الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية. قمت بإجراء الأشعة وكانت المفاجأة قال لي المشرف أن هناك سلكاً معدنياً ذا خطاف طوله حوالي أربع سنتيمترات في كتفي! استغربت كثيراً من أين أتى هذا السلك؟
تذكرت أنني تلقيت علاجاً بالإبر الصينية عندما أعيتني الحيل ولَم أَجِد علاجاً لفرط القيء في حملي الأول. عدت للبيت وقد أصابني دوار من كثرة التفكير.
ازداد الألم والتورم وأصبحت غير قادرة على حمل صغاري أو احتضانهم، احترت واحتار أطبائي ولَم يجدوا تفسيراً لما يحدث. 
قررت الذهاب للطبيب الجراح ليعاين تلك الكتلة، وأخبرته أيضاً عن الآلام المبرحة، وعن السلك المعدني الذي ظهر في صورة الأشعة في كتفي، نظر إليَّ بنظرة ساخرة وأدار يده بجوار رأسه كإشارة أنني واهمة أومجنونة وقال لي: أنت أصبحت تهلوسين وتتوهمين بسبب إصابتك بالسرطان في سن صغير! أما السلك ربما كان دبوساً معدنيا كنت قد نسيته في ملابسك أو قد يكون إحدى الإبر الصينية كما قلت. أصبت بصدمة مما قاله, كيف يسخر بهذه الطريقة ولا يضع أي اعتبار ويحترم نفسيتي ومشاعري وأنا أواجه هذه الفترة ما الله به عليم. وكيف للسلك أن يكون دبوساً نسيته, أنا لست حمقاء و
أيضاً لست عمياء, لقد عاينت ملابسي قبل التصوير وتأكدت من خلوها من المعادن وأيضاً ملابسي في التصوير بالإشعة السينية
  X-rayكانت مختلفة عن التي كنت أرتديها في ال MRI. خرجت وأنا أمسح دموعي وقلبي حزين مما قاله لي الطبيب. تذكرت أمي رحمها الله وكيف كانت تفكر كثيراً وتخطط وتنتقي ألفاظها عندما تحتاج أن توجه رسالة أو خبراً مهماً لمرضاها وكيف كانت حريصة على نفسياتهم ومشاعرهم وهذا أيضاً ما يفعله والدي الغالي حفظه الله. ليت كل الأطباء مثل والدي ووالدتي.
مايحدث لي لغز محير وعليَّ أن أبحث عن تفسيره بنفسي، تذكرت تقاريري الطبية التي لم اطلع عليها لانشغالي، قررت أن أراجعها لعلي أجد فيها الإجابة.

ـ أعتذر عن ذكر اسم الطبيب والمستشفى وأرجو التفهم وعدم الإحراج. فالهدف التوعية وليس التشهير.

ملاحظة:لكتابة تعليق الرجاء الضغط على عنوان المقال بالأعلى أو كلمة تعليقات أسفل المقال ليظهر المكان المخصص للتعليقات.

السبت، 9 فبراير 2019

الحلقة الثالثة: الرابع من يناير ٤/يناير/٢٠٠٥



الحلقة الثالثة: الرابع من يناير 
٤/يناير/٢٠٠٥

الصورة من تصوير الصديقة د.لورا مورلوك Photo by My Friend: Dr.Laura Morlok

وجاء اليوم المنتظر الرابع من شهر يناير، اليوم الذي كنّا سنسافر فيه إلى كندا. لكن شاء الله تعالى أن تتغير جميع الخطط وأن يسافر زوجي وحده وأبقى وأبنائي في السعودية. سيسافر زوجي ليواجه شتاء كندا القارس وحده و سأبقى لأواجه عاصفة شتوية عصفت بي في ربيع عمري، عاصفة سرطان الثدي. لم يكن هناك مجال أن يؤجل زوجي دراسته ليبقى معي، فلقد أجلها مرة قبل ذلك لظروف أخرى والتأجيل للمرة الثانية قد يؤدي إلى إنهاء بعثته.
ذهبنا للمطار لنودع زوجي وأنا حزينة القلب شاردة الذهن وزوجي تعلو محياه مسحة من الحزن. ومع شرود ذهني وازدحام الأفكار في رأسي ضاع صغيري وسط زحام المطار و كدت أفقد عقلي وأنا أبحث عنه إلى أن وجدته. سافر زوجي وسافرت قطعة من قلبي معه، لم أعرف كيف أشرح لصغيري الذي لم يكمل عامه الثاني ماحدث. لكن لحسن الحظ كان يحب الطائرات ويرفع يده لأعلى كلما سمع صوت طائرة ويقول " طيايا فووو فوو" ، فأخبرته أن بابا قد ركب "طيايا فووو". صار صغيري يجري إلى النافذة كلما سمع صوت الطائرة منادياً والده بأعلى صوته" يا بابا تعالى".
في اليوم التالي كان موعد سفر عاملتنا المنزلية فاطمة للعودة النهائية إلى أندونوسيا.كانت أم زوجي حفظها الله قد أرسلت عاملتها فاطمة لمساعدتي وأنا في المنطقة الشرقية بسبب معاناتي الشديدة في حملي وصعوبة رعاية صغيري مع وضعي الصحي في الحمل. كانت فاطمة بمثابة  الأخت ونعتبرها كفرد من أفراد عائلتنا. فكرت أن أطلب من فاطمة البقاء معي إلى أن أتم علاجي وأسافر إلى كندا لتساعدني في رعاية صغاري. لكنني تذكرت قصة ابنتها ذات الثامني أعوام، التي تركض كلما رأت سيارة قادمة صوب قريتهم ظناً منها أنها قادمة من المطار تقل والدتها، وعندما لا تجد والدتها تصاب بإحباط وخيبة أمل شديدين وتعود إلى منزلها حزينة باكية. إنها تنتظر والدتها الآن على أحر من الجمر بعد أن  تأجل سفرها عدة مرات، كما أن شوق فاطمة لابنتها قد بلغ مبلغه. لا أريد أن أكون سبباً في حرقة قلب أم وابنتها فأنا أم و أعرف لوعة قلب الأم على صغارها، كيف لا وفِي قلبي لوعة على صغاري وأخشى فراقهم إذا لم يأذن الله بشفائي. سافرت فاطمة وحزننا على فراقها وتأثر صغيري جداً فقد سافر والده الغالي ودادا فاطمة التي يحبها كثيراً.

موعدي مع الطبيب
جاء موعد مراجعتي مع الطبيب الجراح، عاين الجرح الذي بدأ في التحسن وامتدح جراحته قائلاً " لا يكاد يكون هناك أثر للجرح" وفعلاً لقد كان كلامه صحيحاً فلقد كانت الجراحة متقنة جداً بفضل الله ثم بفضل مهارته. أخبرته بالآلام المبرحة التي أعاني منها في القفص الصدري فقال لي أن هذا شئ مستغرب وغير متوقع وكتب لي بعض المسكنات. 
ناقش معي الطبيب عدة أمور هامة لم أشعر أنني متهيأة نفسياً لسماعها، تحدث قائلاً " أعيد وأكرر لقد أزلنا الورم والغدة الليمفاوية الحارسة، لكن يجب عليك مستقبلاً استئصال الثديين وقائياً بسبب نشاط الورم و صغر سنك وهرموناتك النشطة وبسبب تاريخك الأُسَري،لكن إلى أن تتخذي هذا القرار، عليك أن تقومي بعمل الفحوصات كل ستة أشهر وأهمها التصوير بالرنين المغناطيسي لأن عمرك أقل من أربعين سنة ولأن لديك عامل وراثي فالتصوير بالرنين يكون أوضح وأدق بعض الأحيان من الماموجرام لأنسجة الثدي لدى السيدات الشابات. وضعي أيضاً بعين الاعتبار أنك مهددة بسرطان المبيض وعليك التفكير في استئصال المبيضين وقائياً لكي لا يحدث لك كما حدث لوالدتك رحمها الله ولكن حالياً يمكنك عمل فحص الموجات فوق الصوتية للبطن والحوض كل ستة أشهر وعمل تحليل الدم  مؤشر  CA125
tumor marker كفحوصات وقائية.   ثم استدرك قائلاً: وعليك عمل فحص جيني لمعرفة إذا كان لديك تحور جيني للجين BRCA1 أو BRCA2 لأن التحور في أحد هذين الجينين هوَّ المسؤول عن الجانب الوراثي في سرطان الثدي والمبيض أوما يسمى بمتلازمة وراثة سرطاني الثدي و المبيض 
Hereditary breast–ovarian cancer syndromes(HBOC)

،التحليل غير متوفر في السعودية ولكن يمكننا إرسال العينات خارج المملكة أو يمكنك عمله في كندا. .انتهى الطبيب من كلامه ورأسي يدور من كثرة المعلومات المرعبة التي سمعتها، ولكنني أعجبت بغزارة علم الطبيب وحرصه على تثقيفي وممتنة جداً لكل معلومة سمعتها منه.
قام الطبيب بعمل تحويل لي للعلاج الإشعاعي ولعمل رنين مغناطيسي ولمقابلة طبيب الأورام، ثم عقب على ذلك قائلاً زيارتك لطبيب الأورام تحصيل حاصل لأنك لن تحتاجي علاجاً كيميائياً كما أخبرتك سابقاً. فرحت بعبارته الأخيرة وأخذت عبارته كضمان أنني لن أوجه العلاج الكيماوي الذي واجهته  أمي رحمها الله وعانينا معها برؤيتها تعاني.من يعرف العلاج الكيماوي وآثاره الجانبية لا يتمنى أبداً أن يواجهه. وافق كلام الطبيب شيئاً في نفسي،وأنا لا أعرف ماقُدر لي مستقبلاً ولم أنتبه لحقيقة مهمة أن هذا الطبيب طبيب جراح وليس طبيب الأورام ليبت في مثل هذه القضية. بعد ذلك قمنا بتعبئة استبيان طويل من أجل تحويل للتصوير بالرنين المغناطيسي للتأكد من عدة أمور صحية أهمها خلو جسدي من أي معادن لأن قوة المجال المغناطيسي قد تؤدي إلى تحرك أي معادن في الجسم. 
انتهيت من تعبأة الاستبيان مع الطبيب، ثم ذهبت لحجز الموعد الرنين، والعلاج الإشعاعي.

 العلاج الإشعاعي 
أخبرني الطبيب الجراح أن عليَّ أن أبدأ العلاج الإشعاعي في أسرع وقت، ولذلك جاء موعدي سريعاً. وفي ذلك اليوم ذهبت لعيادة علاج الأورام بالأشعة وفِي الانتظار وجدت طبيباً يحي مرضاه بلطف و ينادي كبار السن بأمي وأبي استبشرت خيراً، سيكون من الجيد أن يكون هذا الطبيب هوّ الطبيب المشرف على علاجي.
قابلت الطبيب وقام بشرح تفاصيل العلاج الإشعاعي وطبيعته وآثاره الجانبية،أخبرني أنني سأحتاج خمس وعشرون جلسة متواصلة يومياً، كان أسلوب الطبيب مريحاً وأعطاني من وقته الكثير وأعطاني فرصة لأسال أسئلتي، ليت كل الأطباء لديهم خلق هذا الطبيب وصبره وتفهمه للمرضى وأسلوبه الهادئ الذي يساعد على تخفيف قلق المريض. ذهبت بعد ذلك مع فنية العلاج بالأشعة وقامت بعمل قياسات لتحديد الوضعية المثلى أثناء العلاج و لتحديد المنطقة التي سيتم تعريضها للإشعاع وتم تحديد ذلك بنقاط مختلفة في جسدي بطريقة تشبه طريقة عمل الوشم، أرادت الممرضة أن تضفي جو الفكاهة فقالت هاقد حصلت على تاتو(وشم )مجاناً. 
عدت في اليوم التالي للجلسة الأولى، وفِي غرفة الانتظار قابلت عدة سيدات وتجاذبنا أطراف الحديث فمعاناتنا واحدة وسنلتقي كل يوم هذا الشهر.
 كانت الفنيات والممرضات المسؤولات في غاية اللطف وكأنهن تم تدريبهن لتلطيف الجو وتطييب الخاطر (ومازلت على علاقة بإحداهن إلى يومنا هذا).
ابتسامتهن، تحيتهنَّ وطريقة تعاملهن في غاية الرقي، هذه الأمور البسيطة تصنع فرقاً وترفع معنويات المرضى كثيراً وأعتبرها جزء لا يتجزأ من العلاج.
كنت قلقة جداً بعدما قرأت بعض المعلومات عن العلاج الإشعاعي وأنه يستخدم حزماً مكثفة من الأشعة مثل الأشعة السينية والطاقة العالية للقضاء على نمو  وانقسام الخلايا السرطانية وللأسف يسري ذلك على الخلايا السليمة أيضاً. وازداد قلقي عندما علمت أن الجلد قد يتأثر سلباً وكذلك الأضلاع من هذا العلاج.
ضايقني أيضاً أنني سأكتشف يومياً والأدهى والأمر أن هناك فنيُُّ يشرف على العلاج، لكن لعلي أستطيع الاتفاق مع الفنيات والطبيب أن تشرف على علاجي الفنيات لا الفني.

عدت للمنزل بعد جلستي الأولى،ووجدت صغيري يجلس على الأريكة واجماً وكأنه يفكر تفكيراً عميقاً كرجل قد أثقلته الهموم لا كطفل لم يكمل عامه الثاني. تساءلت في نفسي عما يدور في رأسه الصغير، هل اشتاق لوالده، هل افتقدني بسبب كثرة ترددي على المستشفى، بماذا يفكر ياترى. دعوت الله تعالى أن يهون هذه الأيام علينا جميعاً.


ملاحظة:لكتابة تعليق الرجاء الضغط على عنوان المقال بالأعلى أو كلمة تعليقات أسفل المقال ليظهر المكان المخصص للتعليقات.

الأربعاء، 23 يناير 2019

خاطرة :إضافة بعد حدوث بعض المستجدات

خاطرة :إضافة بعد حدوث بعض المستجدات

كتبت كلماتي هذه بين أروقة المستشفى فبعد أن قررت كتابة قصتي مع سرطان الثدي في شهر أكتوبر  عام ٢٠١٨، ظهرت عليّ بعض الأعراض المقلقة و احتجت عمل عدة فحوصات للاطمئنان. فترة إجراء الفحوصات هذه المرة لم تكن سهلة عليّ، وقلبي يتأرجح بين الخوف و الرجاء و القلق بالذات عندما أنظر إلى أبنائي أدعو الله من أعماق قلبي أن يسلمني من كل شر وأن يطيل عمري من أجلهم ومن أجل جميع أحبتي.
كان شهر ديسمبر هذه المرة ذا شجون.فمنذ أشهر، شعرت بوخزات مؤلمة في ثديي الأيسر مع بعض التغيرات في الجلد والآلام في العظام ولدي طفل رضيع يبلغ من العمر ستة أشهر وآخر يبلغ من العمر عامين ونصف تقريباً،  وزوجي سيسافر في الرابع من شهر يناير وموعد أشعة الرنين المغناطيسي هوّ السابع و العشرون من ديسمبر، ذلك التاريخ الذي أتذكر فيه تشخيصي بسرطان الثدي منذ أربعة عشر عاماً. هذه الأحداث مجتمعة جعلتني أشعر بالخوف لأنها متطابقة مع أحداث تشخيصي بالتواريخ ونفس المستشفيات ،حتى أعمار أبنائي الصغار(مثلما ذكرت في الحلقة الأولى والثانية)،هذه المصادفة التي قدرها الله تعالى جعلتني استعرض شريط الذكريات التي حدثت لي منذ أربعة عشر عاماً، ذكريات صراعي مع سرطان الثدي.

أثار خوفي أيضاً نتيجة فحص رنين مغناطيسي للدماغ ، قمت بإجرائه ،بسبب عدة أعراض مررت بها الفترة الماضية وكانت النتيجة وجود اثنين من الأورام. استلمت التقرير و قمت بقراءته وحدي وضاقت بي َّالأرض بما رحبت فكلمة ورم- أياً كان نوعه -تثير الرعب في نفسي. رآني صغيري محمد قال لي " ماما ما أبغى وجهك يكون كده تعبانة وزعلانة،أبغاك تكوني مبسوطة. ماما كوني فرحانة"، أسعدتني كلماته، بل أذابت قلبي ذوباناً ، فتماسكت أمام الصغير وأظهرت الفرح أمامه وقلبي يتأرجح بين سعادتي بكلماته و قلقي من التقرير. بكى قلبي من الداخل و سأل  الله أن لا يعيد الأحزان من أجل قلب محمد الصغير لكي يراني" مبسوطة وفرحانة".

بالنسبة للأورام ،الحمدلله طمأنني الأطباء أنه مبدأياً هناك الكثير من المؤشرات التي تدل على احتمالية أن تكون هذه الأورام حميدة بأمر الله  وليست خبيثة، لكن بسبب تاريخي المرضي والأُسَري ووجود تغيرات في الثدي، لن نستطيع أن نأمن جانبها و سنعيد الرنين المغناطيسي لمتابعتها للتأكد أنها فعلاً حميدة لأنه يُخشى في مثل حالتك أن يكون هناك ورم جديد في الثدي قد تعدى ووصل للدماغ. و بالنسبة للتغيرات و الأعراض التي لاحظتها فيجب أن أقوم بإعادة الفحص مجدداً للاطمئنان،
عادتي في الأمور الصحية المعقدة أحب أخذ رأي ثاني ليطمئن قلبي. ربما أيضاً لأنني لا أقتنع بسهولة لأن والدتي رحمها الله ووالدي حفظه الله أطباء استشاريين وأسرتي تعج بالأطباء ماشاء الله. لكني أتساءل  واستغرب كثيراً من موقف بعض الأطباء، مثل تلك الطبيبة التي قابلتها قبل أربعة عشر عام ورفضت عمل أشعة الموجات فوق الصوتية ( التفاصيل في الحلقة الأولى )، ماذا كانت ستخسر؟ لاشئ، أما أنا فلولا فضل الله وعنايته لكنت في عداد الموتى ولخسرت حياتي لا قدر الله، إذا كنت اتبعت رأيها بسبب عدم التشخيص المبكر لمرض سرطان الثدي. 
وفِي هذه الأيام أمر بتجارب مشابهة مع أطبائي فمنهم من قال لي ننتظر ستة أشهر أو " أنسي الموضوع و حانعيد الرنين بس لأنك قلقانة"!!!!!! أتفهم رأي الانتظار لمدة ستة أشهر و لكني لا أستطيع استيعاب قول من طلب مني نسيان الموضوع! سألتهم وهل تضمنون أن هذه الأورام حميدة مئة بالمئة أو أن هذه الأعراض ليس لها علاقة بالسرطان لكي أطمئن و أنساها و " أطنش"؟ طبعاً أجابو بلا ،فلا شئ مضمون في الطب مئة بالمئة و الضامن هوَّ الله. إذا كان الموضوع ليس مضموناً مئة بالمئة فكيف تطلبون مني أن "أطنش و أنسى"، فلماذا لا نعيد الفحص أو نأخذ عينة أو حتى نزيل الورم( وهذا كان الرأي الثاني الذي أخذته والحمدلله أنني أخذته)،لماذا نبقى على الشك في أمر خطير فهذا سرطان و ليس نزلة برد أو زكام.قال أحدهم ( و العلم عند الله)، يمكنني أن افترض أن الورم حميد بنسبة ثمانين بالمئة و خبيث لا قدر الله بنسبة عشرون بالمئة، وهل العشرون بالمئة نسبة بسيطة لمرض خطير؟ التكلفة المادية أو المعنوية التي ستتكبدها المستشفى بحجز موعد لعمل فحص أو إجراء طبي إضافي للاطمئنان ستكون أقل بكثير من تكلفة علاج السرطان إذا تبين أن هناك سرطان لاسمح الله، الوقاية تكلف أقل بكثير من العلاج جهداً ووقتاً وصدق من قال: الوقاية خير من العلاج.

كان أحد أطبائي في كندا يقول لي بالنسبة لسيدة مثلك عوامل الخطورة لديها مرتفعة، إذا ظهرت عليك أي أعراض مقلقة فسنعتبر أن هناك مشكلة ما يثبت خلاف ذلك. وهذه القاعدة التي اتبعها مهما قال الأطباء من حقي الاطمئنان والمحافظة على حياتي. الأطباء وما يقولونه " على عيني و رأسي" لكن الأطباء بشر تارة يصيبون و تارة يخطأون وليسو معصومين من الخطأ وهذا ما كانت تردده أمي رحمها الله تعالى وهيَّ طبيبة ماهرة، قد يخطأ الطبيب و يكون المريض على حق و لقد حصل لي ذلك مراراً وتكرارً خلال السنوات الماضية و سأكتب عن ذلك بالتفصيل في الحلقات القادمة.

أتفهم أن الطب مدارس وآراء و لا أقلل من كفاءة أطبائي،فكلهم مشهود لهم بالمهارة و الخبرة، فهم بالتأكيد يستندون في أي قرار لهم على أدلة علمية وتجارب عملية معروفة عالمياً  لكن السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان الخيار الأضمن موجود لماذا لا نلجأ له بعد الله تعالى؟ 
بالنسبة لحالتي يوجد ثلاث خيارات طبية وواحد منهم وإن كان أصعب سيكون أضمن بعد الله تعالى، العينة و الجراحة. من المهم أن يعرض الطبيب للمريض كل الخيارات المتاحة و يحترم رغبة المريض وما يجعل قلبه مطمئناً.

عندما أعدت التأمل في اجتماع الأحداث في الشهر الماضي وعندما بدأ التشاؤم يدق بابي،استعذت بالله تعالى و تفاءلت بالخير، وواجهت هذه الأفكار قائلة لنفسي: ألم يكرمك الله تعالى و ينجيك أربعة عشر عاماً مضت ماشاء الله، وكان يأتي السابع و العشرون من ديسمبر كل عام ويمر بسلام بفضله تعالى دون تشخيص جديد، ألم يمد الله في عمرك لتربي أبناءك  وأكرمك برؤيتهم يكبرون بعد أن كنت تخافين الرحيل إذا لم يتم شفاؤك عندما كانوا صغاراً.الحمدلله دائماً و أبداً الذي أكرمني بالصحة  و العافية، أسأله أن يديمها كما أدامها أعواماً خلت.


ملاحظة:لكتابة تعليق الرجاء الضغط على عنوان المقال بالأعلى أو كلمة تعليقات أسفل المقال ليظهر المكان المخصص للتعليقات.


السبت، 19 يناير 2019

شتاء في ربيع العمر: الحلقة الثانية


 شتاء في ربيع العمر: الحلقة الثانية
              
السابع والعشرون من ديسمبر 
27/12/2004

وجاء اليوم المحدد لأخذ العينة وإجراء العملية الجراحية. قبلت صغاري واحتضنتهم وشممتهم مودعة وسائلة الله السلامة والعافية من أجلهم. ذهبت قبلها لقسم الأشعة لعمل ما يُسمى ب Localization لتحديد موقع الورم عن طريق أسلاك حديدية تنتهي بخطاف يتم غرسه في الورم عن طريق تتبع موقعه بالموجات فوق الصوتية، ويساعد ذلك الطبيب الجراح للوصول للورم مباشرة بتتبع الأسلاك، فلا يضطر لعمل فتحة كبيرة للبحث عن الورم. كانت عملية التحديد مؤلمة بعض الشي، بالذات وأنا أشاهد الأسلاك أثناء غرسها في جسدي وأرى قطرات الدم المنسكبة أمامي. فجأة لاحظت ارتباك الطبيبة وأخذتني لعمل أشعة الماموجرام، خرجت من هناك وفي ثديي اثنين من الأسلاك المعدنية، لم أهتم بما حدث، ولكن ما يهمني الآن العينة والجراحة، ذهبت مسرعة للمستشفى لإجراء العملية. تمت تهيئتي وأخذي لغرفة العمليات، كانت أنوار كشافات غرفة العمليات تنعكس في عينيَّ، بدأت تخفت مع ابتداء مفعول المخدر وأنا أدعو الله وأقرأ آية الكرسي والمعوذات والأذكار ليطمئن قلبي، فشعور بداية فقدان الوعي مع التخدير يفزعني، بدأت أغيب عن الوعي وصوت أبي الغالي يرن في أذني بالأذكار فلقد حفظتها منذ نعومة أظافري عن ظهر قلب سماعياً من كثرة ترديده لها. غبت عن الوعي وأنا لم انته من أذكاري بعد.

أفقت من العملية شعرت بثقل وألم شديدين في ثديي، يبدو أنه تم إجراء عملية جراحية كاملة ولم يكن الموضوع خزعة فقط. كنت خائفة جداً أن يكون قد تم استئصال الثدي كاملاً, لكن على ما يبدو أنه قد تم استئصال الورم فقط.  وجدت أبي الغالي وزوجي بجانبي، رغم أنني كنت تحت تأثير المخدر، إلا أنني لاحظت تغيراً في قسماتهم، ورأيت مسحة حزن تعلو وجوههم، ماذا حدث وما الخطب يا ترى؟ توجهت بسؤالي لهم، كانت إجابتهم أنهم كانوا قلقين وينتظرون إفاقتي. سألت عن النتيجة، قالوا لي سيمر عليك الطبيب في المساء لنعرف النتائج سوياً. تم نقلي لغرفتي الخاصة. كان انتظار المساء لمقابلة الطبيب أمراً صعباً، دعوت الله كثيراً أن يطمئن قلبي وأن ينزل سكينته علي، خلدت للنوم بسبب تأثير المخدر فمضى الوقت سريعاً.

التشخيص و الصدمة

 استيقظت على طرق الباب ودخول الممرضات وقولهم الطبيب هنا، ارتديت حجابي وقلبي يخفق بسرعة وبشدة وكأنه سيخرج من صدري، تصبب العرق على جبيني وكانت يداي ترتجفان، أهوَّ القلق أم إرهاق ما بعد الجراحة أم لأنني لم أستطع النوم ليلة الأمس.

بدأ الطبيب في الحديث: حمداً لله على السلامة، لقد أخذنا عينة وبسبب نتيجتها، قمنا بإزالة الورم ووجدنا أنه ورم خبيث، أنت مصابة بسرطان الثدي. زوجك طلب مني أن يكون هوَّ من يبلغك، لكنني أحب إبلاغ مرضاي بنفسي.
هكذا وبدون محاولة لتلطيف الجو وبدون مقدمات، أهداني الطبيب خبر إصابتي. 
وقع الخبر عليَّ كوقع الصاعقة شعرت بدوار شديد وضيق في صدري وانهمرت الدموع من عينيَّ وأنا لا أرى أمامي سوى صورة صغاري الرضع، ألهمني الله تعالى أن أقول" اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها”، فهذا ما كانت تفعله أمي الغالية رحمها عند حلول المصائب، ولعل قوتها وثباتها ورضاها بالقضاء والقدر كان من أقوى وأهم الدروس التي غرستها فينا في تربيتها لنا وكانت خير قدوة لنا في ذلك. كان أطباؤها يسمونها المرأة الحديدية. تذكرت كيف كانت إذا شعرت بالألم تقول يا الله و يا حيَّ يا قيوم برحمتك أستغيث, بدلاً من قول آه, وبدأت أتماسك.
أكمل الطبيب حديثه قائلاً: "لكن الخبر الجيد أننا اكتشفنا المرض في مرحلة مبكرة جداً والخبر السيء أن الورم نشط جداً وسريع الانتشار
والورم من نوع 
Invasive Ductal Carcinoma
 أنصحك بعدم السفر لأن الدخول للنظام الصحي في كندا صعب في البداية وستحتاجين الدعم أثناء علاجك وأنت معك طفلين صغيرين بالذات إذا قرر أطباء الأورام أن عليك تلقي العلاج الكيمياوي ولكني اعتقد أن الورم صغير جداً، فلا تجعليهم يضحكون عليك ويعطوك علاجاً كيماوياً. لقد تم استئصال الورم فقط وليس الثدي كاملاً لكن يجب أن تفكري مستقبلاً باستئصال الثديين كإجراء وقائي بسبب صغر سنك وبسبب التاريخ الأسري وعليك أيضاً إجراء الفحص الجيني. لم أكن أحتاج أن اسمع هذه العبارات الأخيرة فيكفني الآن وقع الصدمة بعد معرفة التشخيص.
خرج الطبيب وأنا مازلت أبكي، احتضنت والدي وزوجي ونحن يعلونا الصمت، فما عسانا أن نقول تحت وقع هذه الصدمة. 

حاول زوجي أن يتماسك، وقال: ستكونين بخير، الحمد لله أنه تم اكتشاف المرض مبكراً وربنا أكرم الأكرمين، لا تبكي ولا تحزني. أعرف أن أسلوب الطبيب لم يكن جيداً في نقل الخبر لك وليتني لم أستجب لطلبه وقمت أنا بإبلاغك بدلاً عنه.

وكيف لي ألا أبكي وكيف لي ألا أحزن، الحمد لله على كل حال ولكن ما بلغ مسامعي للتو كان خبراً صاعقاً، تذكرت أمي رحمها الله ومعاناتها مع المرض وكيف كانت معاناتنا بعد فقدها ولا أريد أن يعاني أبنائي، تذكرت الألم والمعاناة والموت ودعوت الله أن يربط على قلبي. رغم مرض أمي ووفاتها، لم أفكر من قبل أنني في يوم ما قد أصاب بنفس مرضها حاولت توجيه تفكيري باتجاه آخر وقلت ولا يعني بالضرورة أن مرضك ومعاناتك ستكون بنفس درجة ومعاناة أمك رحمها وأصابتك بالمرض لا تعني الموت 
فقد مرت عليَّ قصص سيدات نجاهن الله من المرض. تذكرت أيضاً أن سبب وفاة والدتي هوَّ سرطان المبيض وليس سرطان الثدي، فلأحسن الظن بالله وسيكون الله تعالى عند حسن ظني.
مما أحزنني أيضاً، هوَّ أنني على الأغلب لن أسافر مع زوجي إلى كندا وسيتشتت شمل أسرتنا. 
كانت ليلة ليلاء تلك التي قضيتها في المستشفى.
وحل الشتاء

جاء اليوم التالي، وخرجت من المستشفى وكلي شوق لصغاري، عدت للمنزل وأخذتهم في أحضاني قبل أن أخلع عباءتي، كان احتضانهم وحملهم صعباً ومؤلماً بسبب جرح العملية ورغم أنه بسيط، إلا أنني أشعر بآلام رهيبة في القفص الصدري.

الحزن يخيم على جميع من في المنزل، وبعد النقاش قررت أن أبقى في جدة لتلقي العلاج. لم يبق إلا أيام قلائل على موعد سفرنا المقرر، كان عليَّ الآن أن أبدأ بفصل أمتعتي أنا والأولاد عن أمتعة زوجي. لم تكن هذه العملية سهلة أبداً، كنت أفصل أمتعتنا وكأنني أفصل أجزاءً من قلبي، ألملم أغراضي وألملم معها ألمي وحزني ومشاعري المختلطة المبعثرة. كلما جالت في خاطري الأفكار وانهمرت الدموع من عيني كالأمطار كنت أسجد لله تعالى وأدعوه أن ينزل اللطف مع قضاءه ويهون عليَّ رحلتي القادمة.

تذكرت أن صديقتي رأت أثناء حملي رؤية، رأت فيها أمي في برج عالي صعدت إليه بشق الأنفس وعندما وصلت لأعلى البرج استراحت، رأتني وأنا أصعد لأمي بمشقة بالغة إلى أن وصلت واسترحت معها. سألت صديقتي عن تفسير هذا الحلم ففسروه لها أنني قد أُبْتلى مثل والدتي وعسى أن يكون تفسير ذلك أن بصبرنا على الابتلاء سيبلغنا الله أجراً عظيماً ومكاناً عالياً في الجنة. قالت لي ذلك مخففة عني الحزن و الألم الذي كنت أقاسيه في حملي فحينها ظننت الابتلاء هوَّ ما كنت أواجهه الآن في حملي، ولَم يخطر على بالي أنني سأُبتلى بنفس ابتلاء أمي، مرض السرطان.
واجهت في حملي بما يسمى بفرط القيء في الحمل   Hyperemesis Gravidarum ويسميها زوجي الحالة الكئيبة وتصل مرات القيء إلى أربعين مرة في اليوم ويتطلب ذلك التنويم بالمستشفى لأخذ المحاليل بالذات في الست الشهور الأولى من الحمل، كنت أصاب بجفاف شديد ويصعب على الممرضات إيجاد وريد لوضع المحاليل ويلجؤون لساقي بدلاً من ذراعي.  تستمر مشكلة فرط القيء عندي أثناء الولادة وتستمر شهراً بعدها. أتذكر أنني مرة مكثت شهراً متواصلاً في حملي الأول. وكان وزني يتناقص حوالي عشرون كيلوجراماً.
كان تفسير الأطباء أن هذا هوَّ تفاعل جسدي مع تغير مستوى الهرمونات. لم تجدي معي جميع الأدوية 
إلا دواء واحد لا يباع إلا في كندا كان منقذاً لي بعد الله تعالى وخفف عني كثيراً والحمد لله يسر الله وجود أحد الأقرباء المبتعثين لدراسة الطب في كندا، فقد كان يشحنه لنا مشكوراً إلى السعودية خلال حملي الأول والثاني. تعبت كثيراً في حملي لكنني كنت موقنة أن لله حكمة من هذا الابتلاء، ربما يعدني لمواجهة أمرٍ ما أشد وأصعب. عرفت هذه الحكمة يوم إصابتي بالسرطان.
تذكرت أيضاً صديق زوجي الذي اتصل ليطمئن على زوجي بعد تشخيصي، وهوَّ لا يعلم عن مرضي شيء 
وأخبر زوجي أنه رآه في المنام يواجه حريقاً كبيراً. لعل ذلك الحريق هوَّ السرطان الذي غزا أسرتنا الواعدة وشتت شملها.
كنت أخشى شتاء كندا القارس لكن الآن حل شتاء قارس في ربيع عمري، شتاءٌ من نوع آخر. نحن في فصل الشتاء فعلياً لكن شتاء جدة ربيع لطيف، ولكنني كنت أعيش برد الشتاء وادعو الله أن يداويني ببرد اليقين.


ملاحظة:لكتابة تعليق الرجاء الضغط على عنوان المقال بالأعلى أو كلمة تعليقات أسفل المقال ليظهر المكان المخصص للتعليقات.

السبت، 12 يناير 2019

شتاء في ربيع العمر:الحلقة الأولى

الحلقة الأولى
البداية: الظهران


 بدأت أحداث قصتي في مدينة الظهران بالمنطقة الشرقية، قبل أربعة عشر عاماً, عندما كنت في نهاية عامي الثالث والعشرين وأم لطفل  يبلغ من العمر ثمانية عشر شهراً ورضيع  يبلغ من العمر ثلاثة أشهر ومضى على زواجي حوالي ثلاث سنوات تقريباً.
كان زوجي قد أنهى مرحلة الماجستير وحصل على قبول في جامعة واترلوو بكندا لتحضير درجة الدكتوراة. بدأت حزم أمتعتي وإخلاء منزلي. كان همي الأكبر في تلك الفترة هوَّ إيجاد صناديق فارغة لأملأها بأغراضنا المتناثرة في أرجاء المنزل.  
بالرغم أننا لم نسكن مدة طويلة في هذا المنزل، فقد سكنَّا فيه أقلَ من عامين، إلا أن الأغراض تعد نوعاً ما كثيرة بسبب وجود طفلين صغيرين. حمدت الله أنني سمعت نصيحة خالتي الغالية ولم أؤثث المنزل واكتفيت بأثاث سكن الجامعة البسيط، حيث أنني كنت أعلم أن سكننا هنا سيكون مؤقتاً وسنسافر للبعثة. 
كان المنزل عبارة عن ساحة مليئة بالصناديق التي اتخذها صغيري لعبة، فتارة يختبئ داخلها ومرة يضع ألعابه داخلها ولكن الكارثة العظمى, هيَّ عندما  يستخرج كل ما قمت بترتيبه من داخل أحد الصناديق أو حقائب السفر، ثم يصفق فرحاً بإنجازه المضاد لإنجازي. كانت متعة بالنسبة له تعلو على متعة اللعب بألعابه المعتادة.
كان العمل على قدم وساق ما بين ترتيب وركض وراء طفلي أو اهتمام برضيعي، الذي كنت أحياناً اضطر لحمله في حمالة الأطفال وأنا أرتب الأغراض لأحميه من أخيه الذي كان يظنه دمية للعب وليهدأ ويشم رائحتي فينام هانئاً قرير العين على صدري.
كان همي الآخر التسوق لشراء ملابس شتوية لتقينا من برد كندا القارس، فنحن سنسافر في شهر يناير حيث يشتد الشتاء. صديقتي الغالية أبرار التي سبقتني إلى كندا، واستقرت في مدينة فانكوفر التي تعد من أدفأ المناطق في كندا، ورغم ذلك لازلت أتذكر مكالمتها لي وهيَّ تصف  لي شتاء كندا القارس، وكيف أصابتها صدمة عند خروجها من باب المطار من لفح الهواء البارد ومن منظر الثلوج البيضاء التي تغطي كل شيء. 
مجرد تذكري لكلمات أبرار يشعرني بالبرد وكأن ذلك الهواء البارد يلفح وجه.
كان أمر الترتيب والتسوق صعباً مع انشغالي بصغاري، وفِي أوج انشغالي شعرت بوخز غريب كوخز الإبر في ثديي الأيمن، استمر وتكرر لعدة أيام وبدأ القلق يدب في نفسي.  تذكرت أمي رحمها الله وإصابتها بسرطان الثدي وأنا بالمرحلة الابتدائية. لم أكن متشائمة ولكن الاحتياط واجب، فإصابة قريبة لي من الدرجة الأولى يجعلني أكثر عرضة للإصابة من غيري. والشيء الذي جعلني متفائلة أكثر هوَّ أنني صغيرة بالسن، فقد كنت أحسب أن هذا المرض يصيب النساء اللاتي أعمارهن فوق سن الأربعين.تذكرت أيضاً إصابة أمي رحمها الله بسرطان المبيض وأنا بالمرحلة المتوسطة، وكيف أنه كان هناك اشتباه في كيس صغير في المبيض
 وكان عليها متابعته ولكن قدر الله وماشاء فعل، انشغالها بعملها كطبيبة وأستاذة جامعية وانشغالها بِنَا كأم، أثناها عن المتابعة، حتى تفاقم المرض وانتشر وأدى إلى وفاتها. في ذلك الزمن، قبل ما يقارب خمسة وعشرون عاماً، لم يكن هناك وعي حول ارتباط سرطان الثدي والمبيض لدي السيدات الشابات اللاتي أصبن بسرطان الثدي قبل سن اليأس ولديهن عامل وراثي. ولم تكن هناك توعية كافية حول أهمية فحص المبيض مع فحص الثدي أو اقتراح عمل عمليات جراحية وقائية لتجنب خطر الإصابة بسرطان المبيض. ما حدث لأمي رحمها الله, كان درساً قاسياً جعلني أفكر مراراً و تكراراً في أن أقوم بأخذ استراحة من الترتيبات و أذهب للطبيبة للاطمئنان.
كنت أتنقل بين الأسواق مع صديقة عزيزة لشراء الملابس الشتوية، أخبرتها في ذلك اليوم أنني أنوي الذهاب للطبيبة. وجاء ذلك اليوم، وذهبنا سوياً ونبضات قلبي تتسارع وأنا في غرفة الانتظار. عندما جاء دوري أخبرت الطبيبة بمخاوفي وبوجود تاريخ أسري، وأن لديَّ أقارب من الدرجة الأولى أصبن بسرطان الثدي، لكن كان ردها، أنت شابة صغيرة وعمرك ثلاثة وعشرون عاماً ومن الطبيعي أن تشعري بآلام كأم مرضعة وسرطان الثدي يأتي عادة ًبدون ألم، وأيضاً لم أَجِد أي كتلة محسوسة.
أخبرتها أن هذه الآلام تختلف عنما عهدته في طفلي الأول وطلبت عمل أشعة الموجات فوق الصوتية لكنها رفضت. خرجت إلى صديقتي وأخبرتها بما حدث وأنني لازلت قلقة وأريد عمل الأشعة ولكن انشغالي الشديد في هذه المرحلة الانتقالية بدد غيوم قلقي.
تذكرت قبل الشعور بالألم، أنني أُصبت بطفح جلدي شديد وتشققات مؤلمة ونازفة، وكان التشخيص التهاباً فطرياً انتقل لي من فم المولود الجديد أثناء الرضاعة. كانت مواجهة هذا الالتهاب أليمة، استمرت لأشهر، حاولت الصمود لكي استمر في إرضاع مولودي لمعرفتي بفوائد الرضاعة الطبيعية وأهميتها، وأثرها الإيجابي على الصحة الجسدية والنفسية للمولود حالياً ومستقبلياً. 

في جدة
مر شهرين من زيارتي للطبيبة، انتقلنا إلى جدة لنودع الأهل والأحباب قبل سفرنا إلى كندا. كان ذلك في نهاية شهر ديسمبر من عام 2004 وكان موعد سفرنا هوَّ الرابع من شهر يناير للعام 2005. 
مازال الألم موجوداً في ثديي الأيمن ولَم يفارقني، لكن شدة الانشغال جعلتني أتجاهله. تحدثت مع أبي الغالي فنصحني أن أذهب لعمل أشعة الموجات فوق الصوتية، ففي كلا الحالين لن أخسر شيئاً بإذن الله، إن كانت النتيجة سليمة فالحمدلله , وإن كانت هناك مشكلة فالاكتشاف المبكر أفضل وقال لي اذهبي و اطمئني يا ابنتي، لا نريد أن تتكرر مأساة والدتك رحمها الله.
ذهبت للموعد المنتظر وبدأت الطبيبة بالفحص وكانت الطبيبة التي أجرت لي هذا الفحص هيَّ نفسها التي أجرت لي الفحص الأول لرؤية الجنين وسماع نبضه في حملي الأول منذ عامين تقريباً، استبشرت خيراً فهنا ,في نفس هذا المكان كانت إحدى بدايات فرحتي الأولى و هنا لاحت لي تباشير الأمومة عندما سمعت نبضات قلبه للمرة الأولى.
لكن حدث ما كدر صفو تفاؤلي، عندما أعادت الطبيبة سؤالها مرة أخرى، " أنت عمرك ثلاثة وعشرون ، صح ؟ " فأجبتها بنعم ، تغيرت قسمات وجهها وقالت أنت صغيرة و خير إن شاء الله.  ما أراه ليس مطمئناً ،يبدو أنها كتلة صلبة جدارها يبدو غير منتظم، أرجو منك مراجعة الطبيب الجراح و عمل أشعة الماموجرام.
تم حجز الموعد مع الطبيب يُعد من أفضل المتخصصين في مجال جراحة الأورام بالذات جراحة أورام الثدي. 
عدت لشقة أهل زوجي في جدة. فقد جاءوا ليسلموا علينا قبل السفر، وهناك انتقلت الصناديق والحقائب التي في الظهران، فعليَّ القيام بفرزها لترك البعض في منزل والدي والآخر في منزل أهل زوجي وما تبقى سيكون من ضمن أمتعة السفر أو الأمتعة التي سيتم شحنها إلى كندا. كان المكان مزدحماً متكدساً بالأغراض كتكدس تلك الأفكار في رأسي. كنت أحاول الهروب من هذه الأفكار بالغوص في أعماق أمتعتي المتناثرة.  كانت لدي قائمة بزيارات للأقارب والصديقات للوداع قبل السفر. قد يساعد الانشغال أحياناً في حالات التوتر والقلق، لكن وإن طال الهروب فالمواجهة قادمة لا محالة. كنت أعد الأيام قبل موعدي مع الطبيب.
فأنا أريد الانتهاء من هذه القضية والاطمئنان بسرعة، فقد تبقت أيام قلائل على موعد سفرنا.
وجاء الموعد المنتظر وقابلت الطبيب. كنت متوترة قلقة من الفحص لأنه طبيب وليس طبيبة، وبالرغم من أنه رجلٌ وقورٌ بعمر والدي تقريباً، إلا أنني كنت في قمة الأحراج أثناء الكشف، فهذه المرة الأولى التي اضطررت أن أكشف فيها عند طبيب رجل على منطقة خاصة من جسدي، 
ولكن لم يكن لدي خيار آخر وهذه ضرورة. دعوت الله وقتها بأن يسترني بستره. أخبرني الطبيب بأنه لا توجد كتلة محسوسة، 
ولكنه لم يكن مطمئناً من نتيجة الموجات فوق الصوتية بسبب شكل وطبيعة الكتلة المرئية، وأكد على ضرورة عمل أشعة الماموجرام وأشعة الرنين المغناطيسي. أخبرنا أنها ستعطينا دلائل أكثر عن طبيعة الكتلة التي تم اكتشافها. وأخبرنا أن التصوير بالرنين المغناطيسي أفضل وأدق للسيدات الشابات اللاتي تقل أعمارهن عن سن الأربعين واللاتي لديهن تاريخ أسري لسرطان الثدي. أكد الطبيب أيضاً أنه يجب أخذ عينة من الكتلة، فالاحتياط واجب مع تاريخي الأُسَري. قام بتحويلنا لعمل أشعة الماموجرام والرنين المغناطيسي. كنت قلقة بعض الشيء من هذه الفحوصات التي سمعت عنها ولا أدري كيف يكون إجراؤها.
أصبحت مشتتة بين حزم الأمتعة وفرزها والقيام ببعض الزيارات وبين مواعيد المستشفى التي لها الأولوية.وجاء موعد الماموجرام  والحمدلله أن القائمات على القسم سيدات، لكي لا أتكشف مرة أخرى. 
ارتديت قميص المستشفى المفتوح من الأمام ووقفت أمام ذلك الجهاز ساعدتني الممرضة في الوقوف وقفة صحيحة وطلبت مني عدم التحرك وقامت بشرح العملية لي. الجهاز سيتم ضبطه بحيث يقوم بضغط الثدي ليصبح منبسطاً، مما يسمح للأشعة السينية باختراقه للتصوير. وعندما بدأ عمل الجهاز كان الضغط مؤلماً أكثر من توقعاتي لكن كما يقولون " ألم ساعة ولا كل ساعة"، ألم الضغط للحظات قصيرة سيكون بالتأكيد أخف بكثير من مرض السرطان إذا لم يتم اكتشافه في مرحلة متقدمة.
لازلت أذكر تلك اللحظات، برودة الغرفة، رائحتها وتفاصيلها. بعد انتهاء الفحص طلبت مقابلة طبيبة الأشعة، وأخبرت فنية الأشعة أن سفري لكندا بعد أيام. أخذتني للطبيبة وشعرت ببعض الاطمئنان عند رؤيتها فهيَّ زميلة عزيزة لوالدتي الغالية رحمها الله 
وكانت أمي تحبها كثيراً و تثق في رأيها فترة مرضها  .ووقفت أمام شاشات عرض صور الأشعة، كررت الطبيبة نفس السؤال الذي أصبح يتكرر في كل موعد أو فحص مؤخراً، " أنت تقريباً في الرابعة والعشرون من عمرك، صحيح"، قلت: نعم، نظرت لي وصمتت لبرهة وقالت: الكتلة متكلسة و يجب أخذ عينة منها والحمدلله أننا استطعنا أن نراها لأنك أم مرضعة 
 وامتلاء قنوات الحليب لديك قد يؤثر على التصوير. شكرت الطبيبة توجهت لعمل موعد أشعة الرنين المغناطيسي. 
للأسف المواعيد بعيدة جداً. عدت للمستشفى الآخر للطبيب الجراح واكتفى بالفحوصات التي أجريتها وحدد موعد أخذ العينة 
وإزالة الورم حسب نتيجة العينة. كان الموعد في السابع و العشرون من شهر ديسمبر،في قبل موعد سفرنا بأسبوع. 
كانت أسئلتي كلها تدور حول مدة التعافي بعد الجراحة وهل يمكنني أن أسافر مباشرة؟ هل يمكنني ارتداء حمالة الأطفال لحمل صغيري أثناء السفر، رغم كل المؤشرات التي لم تكن مطمئنة، كنت استبعد احتمالية أن يكون ذلك ورماً خبيثاً، لحسن ظني في الله أولاً ثم كنت متفائلة بسبب صغر سني، وكنت متحمسة للسفر وللمرحلة الجديدة التي أنا مقبلة عليها.
أخبرني الطبيب أنه يجب أن أتوقف عن الرضاعة لتهيئتي للعملية الجراحية، وكتب لي دواءً لتجفيف الحليب. حزنت جداً لحرصي على إرضاع صغيري وحزنت أكثر أن فطامه سيكون قاسياً بهذه الطريقة المفاجئة ودون تدرج أو مقدمات وهوَّ لم يتجاوز خمسة أشهر. حزنت جداً فالرضاعة الطبيعية هيَّ من أفضل ما يمكن أن تقدمه الأم لصغيرها، 
وهيَّ ليست مجرد غذاء بل هيَّ من أهم مقومات علاقة الحب التي يتم بناؤها لتستمر وتكبر مع الطفل في جميع مراحل حياته،
بكل ما فيها من لمسات ونظرات وضحكات، فتؤدي على الارتباط العاطفي السليم بين الأم والطفل وتؤدي إلى نمو طفل صحي جسدياً ونفسياً. سألت الله أن يعوض صغيري خيراً، فما باليد حيلة.
عدت للمنزل وبدأت في أخذ الدواء، أصابتني أعراض جانبية شديدة منه. عانيت من قيء وغثيان شديدين، ولَم أستغرب ذلك فجسدي يتحسس كثيراً من التغيرات الهرمونية وهذا ما واجهته في حملي.
 كنت أحمل صغيري لإرضاعه من القارورة فيرفضها ويبكي بكاءً شديداً، نصحتني الطبيبة أن يقوم أحد غيري بإرضاعه لأنه كلما شم رائحتي سيبكي اشتياقاً لحليبي وسيكون ذلك صعباً عليه. تناوبت أم زوجي وأخواته في إرضاعه وكان ينظر لهم ويبكي ويرفض الرضاعة. كانت فترة عصيبة علينا جميعاً.